ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

42

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

وهو يريد : إلى ملك أبوه ما أمه من محارب ، وهذا أقبح من الأول ، وأكثر اختلالا . وكذلك جاء قوله أيضا : وليست خراسان الّتي كان خالد * بها إذ كان سيفا أميرها وحديث هذا البيت ظريف ، وذاك أنه ، فيما ذكر ، يمدح خالد بن عبد اللّه القسريّ ، ويهجو أسدا ، وكان أسد وليها بعد خالد ، وكأنه قال : وليست خراسان بالبلدة التي كان خالد بها سيفا إذ كان أسد أميرها ، وعلى هذا التقدير ففي « كان » الثانية ضمير الشأن والحديث ، والجملة بعدها خبر عنها ، وقد قدم بعض ما إذ مضافة إليه وهو « أسد » عليها ، وفي تقديم المضاف إليه أو شيء منه على المضاف من القبح ما لا خفاء به ، وأيضا فإن أسدا أحد جزأي الجملة المفسرة للضمير ، والضمير لا يكون تفسيره إلا من بعده ، ولو تقدم تفسيره قبله لما احتاج إلى تفسير ، ولما سماه الكوفيون الضمير المجهول . وعلى هذا النحو ورد قول الفرزدق أيضا : وما مثله في النّاس إلّا مملّكا * أبو أمّه حيّ أبوه يقاربه ومعنى هذا البيت : وما مثله في الناس حيّ يقاربه إلا مملكا أبو أمه أبوه ، وعلى هذا المثال المصوغ في الشعر قد جاء مشوّها كما تراه . وقد استعمل الفرزدق من التعاظل كثيرا ، كأنه كان يقصد ذلك ويتعمده ؛ لأن مثله لا يجيء إلا متكلّفا مقصودا ، وإلا فإذا ترك مؤلف الكلام نفسه تجري على سجيتها وطبعها في الاسترسال لم يعرض له شيء من هذا التعقيد ، ألا ترى أن المقصود من الكلام معدوم في هذا الضرب المشار إليه ؛ إذ المقصود من الكلام إنما هو الإيضاح والإبانة وإفهام المعنى ، فإذا ذهب هذا الوصف المقصود من الكلام ذهب المراد به ، ولا فرق عند ذلك بينه وبين غيره من اللغات كالفارسية والرومية وغيرهما .